التصنيفات
منوعات

هل العبقرية صفة غريزية أم مكتسبة؟

هل من الممكن تعلم العبقرية؟ هل نستطيع تشكيل نظامنا التعليمي وحياتنا الاجتماعية بطريقة نستولد بها انشتاينيين وموزاراتيين جدد ، أو علماء محدثين مثل آدم سميث أو جون ماينارد كينز؟
وقد كان آخر من ولجوا عالم البحث عن العبقرية دين كيث سيمونتون وكتابه "العظماء المائة وواحد: مبدعون، قادة، وعباقرة" (صدر عن دار سبرينجر للطباعة والنشر). و سيمونتون الذي يعمل أستاذا لعلم النفس بجامعة كاليفورنيا يعتبر دافيس واحدا من أهم الشخصيات العبقرية التي قام بدارستها منذ أيام دراسته في هارفارد في عقد السبعينيات من القرن الماضي. (انظر صور البرت انشتاين).
وعبر التاريخ ظل التساؤل حول كيفية نشؤ العبقرية موضوعا محوريا مثيرا للجدل والحوار الذي لا ينتهي: هل العبقرية صفة طبيعية أم مكتسبة؟ هل تورث جينيا أم تكتسب من خلال التربية؟ لقد اتخذ سيمونتون موقفا جدليا منطقيا يقول بأن العباقرة هم نتاج للعوامل الوراثية والتربوية معا. وهذا الموقف الوسطي الذي اتخذه سيمونتون يجعله مختلفا عن نظرائه المفكرين مثل جالتون (مؤسس علم تحسين النسل) وعلماء المدرسة التنقيحية مثل جلادويل الذي يرى أن الدأب والممارسة، كنقيضين للذكاء الفطري، يعتبران من أهم العناصر في تحديد النجاح.
في أغلب الأحيان يعجز حتى كبار الكتاب والمفكرين في التوصل إلى معنى محدد للعبقرية. فقد توصل سيمونتون من خلال محاولاته إلى التعريف التالي: العباقرة هم أولئك الذين "لديهم الذكاء والحماس والجلد لاكتساب الخبرات في مجال ذو قيمة كبيرة" ثم يقدمون إسهاماتهم في ذلك المجال، ويعتبرهم الرواد في ذلك المجال "أصليون ومثاليون بشكل مذهل".
الآن كيف تستطيع أن تحدد ما إذا كانت مبتكرات معينة أصلية ونموذجية؟ لتحديد ذلك استخدم كل من سيمونتون وآخرون طريقة معينة تقوم على تجميع عدد المرات التي يستشهد فيها بمنشورات هذا العبقري في مجال الأدب ، أو بعبارة أخرى عدد المرات التي تؤدى وتسمع وتسجل فيها أعمال ملحن معين. كما استخدم مفكرون آخرون طريقة الإشارة إلى أعمال الشخص بالموسوعات المرجعية كوسيلة لقياس عبقريته. قد لا تكون هذه الطرق معقدة في ظاهرها ، ولكن ما ينشأ عنها من نتائج يكون كبيرا بحيث يصعب تحديد مدى العبقرية في عمل أو أعمال معينة.
لا تزال هناك ردود أفعال متباينة لتلك الطرق: إن العبقري هو من نطلق عليه هذه العبارة. فهل هناك طرق أخرى أكثر موضوعية؟ نعم، هناك اختبارات معدل الذكاء، ولكن هذه الاختبارات ليست كلها متشابهة ، ومن ثم تقود إلى نتائج متباينة كما أنها تأخذ بأدنى درجات الذكاء وتسميها عبقرية. كما أنه يصعب تطبيق اختبارات معدل الذكاء على الموتى ومن ثم لا نستطيع تحديد عبقرية من توفى من المبدعين والتي غالبا ما يعتمد فيها على المعلومات الشخصية لهؤلاء العباقرة والتي لا يمكن أن يعول عليها.
بعيدا عن ذلك يعود بنا سيمونتون إلى نظريته التي تقوم على " الذكاء والحماس والجلد". ولكن ماذا عن الاكتشافات والاختراعات التي يتم التوصل إليها بالصدفة المحضة؟ هنا يذكرنا سيمونتون بحكاية عالم الأحياء الكساندر فلمينج الذي لاحظ بالصدفة في عام 1928م أن "مزرعة البكتريا قد تحول لونها إلى اللون الأزرق والأخضر نتيجة تلوثها بمادة عضوية ، وحول تلك المادة ظهرت بقعة مشعة" وكان ذلك هو البنسلين الذي يعتبر من أهم الاكتشافات العلمية التي تنسب لذلك العالم. ولكن ماذا لو كنت أنت مع فلمينج داخل معمله في ذلك الوقت ولاحظت ذلك التغير وتلك المادة؟ فهل كنت ستوصف مثله بالعبقرية؟
في وقتنا الحاضر نال عنصر الجلد والدأب ضمن معادلة تقييم الأداء العبقري الكثير من الاهتمام مبعدا الأضواء قليلا عن عنصري الذكاء الفطري والموهبة. وقد كان السبب الرئيسي وراء هذا التغيير في الاهتمام بعناصر العبقرية العمل الذي أصدره انديرز اريكسون المنافس الحميم لسيمنتون والذي يقوم بتدريس مادة علم النفس بجامعة فلوريدا. وقد أشار جلادويل لذلك العمل في كتابه "الغرباء" (انظر أفضل عشرة كتب علمية لعام 2022م).
لقد اشتهر اريكسون بسبب نظريته "قاعدة العشر سنوات" والتي تقول بأن الناس يحتاجون لعشر سنوات (أو 10000 ساعة) من الجهد الدءوب لإتقان إحدى المهارات. لم يخترع اريكسون نظرية العشر سنوات (حيث أنه قد تم طرحها منذ العام 1899م) ولكنه قام بالعديد من البحوث والدراسات لإثباتها. وبادويل أحد أنصار هذه النظرية كتب يقول: "إن الممارسة ليست هي الشيء الذي تفعله عندما تكون جيدا، بل هي الشيء الذي يجعلك جيدا".
سيمونتون، من جهته، يرفض هذه النظرية ويسميها: "نظرية الكدح". وهو يرى أن القصة الحقيقية أكثر تعقيدا حيث يرى أن: الممارسة المتعمدة تعتبر أمرا ضروريا ولكنها لا تكفي لخلق العبقرية. حيث أن الممارسة الدءوبة لا تفيد الجميع فهي تحتاج لأن يكون الشخص في الأساس ذكيا بما فيه الكفاية حتى تصقله تلك الممارسة. ففي دراسته التي صدرت في العام 2022م أشار سيمونتون إلى أن معدل ذكاء أبرز 64 عالم هو 150 درجة ، وهو ما يزيد 50 درجة عن معدل ذكاء عامة الناس. وأكثر التفاوت في معدلات الذكاء (حوالي 80% حسب سيمونتون) يعزى لأسباب جينية.
كذلك فإن المزايا الشخصية يكون لها أثر كبير. فقد كتب سيمونتون أن العباقرة يميلون إلى أن يكونوا "منفتحين على خبرات الآخرين، انطوائيين، عدائيين، تواقين للمعرفة وطموحين". وهذه السمات مكتسبة بالوراثة ولكن بشكل جزئي. كما أن هؤلاء العباقرة يتشكلون حسب البيئة المحيطة.
إذن، ماذا يعني ذلك للذين يريدون استنهاض العبقرية؟ لقد ختم جلادويل كتابه بالقول أن نظرية العشر ألف ساعة توضح أن الصغار يحتاجون فقط لفرصة لإثبات أنهم قادرون على بذلك الكثير من الجهد في أداء أعمالهم. فنحن نحتاج لمجتمع "يتيح الفرص للجميع لإثبات قدراتهم" كما يقول جلادويل. ولكنه في ذات الوقت يستبعد فكرة حاجة هؤلاء الصغار لمعدلات ذكاء عالية لتحقيق النجاح، ولا يعدو ذلك كونه نوع من التفكير المؤمل. وكما أطرح هنا، فإننا نحتاج لبذل المزيد من الجهد للتعرف على الأطفال من ذوي معدلات الذكاء العالية وعدم إهمالهم. فالكثير من مدراء المدارس يضعون هؤلاء الأطفال المتفوقين مع أندادهم من الطلاب بدلا عن منحهم حرية تجاوز بعض سنوات الدراسة بسبب تفوقهم.
عموما، لا زال تمييز العباقرة أمرا صعبا، ليس فقط على مستوى الشباب. فهذه القصة يرويها سيمونتون عن تلك المرأة التي تمكنت من نشر القليل فقط من أشعارها أثناء مسيرة حياتها القصيرة. وعلى الرغم من أن تلك الأعمال لم تعد عليها بالكثير ولكن ظلت القوة الخيالية والبلاغية لتلك الأشعار باقية على مر الأزمان. هذه المرأة هي اميلي ديكنسون.

منقول




يسلمؤوؤو حووبي <



خليجية



خليجية



خليجية



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.