التصنيفات
فلسطين

من التراث الشعبي الفلسطيني "الأمثال الشعبية" صْحيحْ لا تِقِسْمي. . . !

تراث الأمة أو المجتمع هو ما ظلّ ماثلاً في الثقافة المعاصرة من الماضي القريب أو البعيد أو حتى الموغل في القِدَم. والتراث الشعبي هو ذلك الجانب من التراث، المجهول المُنتِج، والمنقولٌ شفوياً عبر الأجيال والقرون، وله تأثيرٌ قويُّ الحضور في مكونات الشخصية الاجتماعية للعضو. وتراث الأمة أو الجماعة الكبيرة كالمجتمع أو بعض فئاته هو هويتها التي نَعرفُها بها في لغتها ولهجاتها وتاريخها وعاداتها وتقاليدها وفنونها المحكية أو المرئية أو المسموعة. والمثل الشعبي جزء مهم من هذا التراث الشعبي لتعبيره البليغ عن التجارب المختزنة للمجتمع عبر العصور والتي تعبر عن بنية المجتمع وثقافته. والمثل الشعبي جملة قصيرة بليغة جاءت تعبيراً عن تجربة محددة، وشاع استعمالها بمناسبة وقوع تجارب أو مواقف مماثلة للتجربة الأصلية. وبعض هذه التجارب اختفت قصتها أو تفاصيلها، واستمر المثل المعبر عنها في التداول. وما زالت قصص وتفاصيل بعضها الآخر متداولة حتى اليوم، وحتى لو لم تكن هي التفاصيل الحقيقية للقصة أو التجربة الأولى، لكنها وضعت ونضجت وتداولها الناس لتلائم هذه التجربة. ولا يمكن أن ننسب الأمثال، أو قصص نشأتها، إلى شخص محدد، لأن الجماعة التي تداولتها أو ما زالت تتداولها تدخلت في صياغة تفاصيلها فجعلتها ملائمة لتجربة قابلة للبقاء والذيوع والانتشار. وهناك عشرات الآلاف من الأمثال الشعبية الفلسطينية المتداولة أو المحفوظة في كتب وأرشيفات المؤسسات والأفراد تنتظر أن تجرى حولها دراسات معمقة من مختلف الجوانب التي تعبر عنها هذه الأمثال الشعبية.

لقد اخترت مثلاً شعبياً كنت قد سمعته عشرات المرات من قبل، وسمعته مؤخراً في مناسبة طبيعية، إذ استعملته سيدة لتشكو من رئيسها في العمل، فهو يريد منها أن تقوم بأعمال تعجيزية مستحيلة. وفي هذا المثل، كما في غيره، دلالات كثيرة تستحق التأمل.

يقول المثل: "صْحيحْ لا تِقِسْمي… أُومَقْسومْ لا توكْلي… أُوكُلي تَ تِنْسِطْحي!". وتقول قصة المثل أن الحماة المستبدّة بزوجة الإبن (ألكِنّة) أرادت أن تغادر البيت إلى الحقل، ولكنها تخشى أن تقوم كِنَّتها بالأكل في غيابها، فتفتق ذهنها عن هذه العبارة الآمرة التي صدرت من الحماة للكنة، وظاهر الأمر أن الحماة لم تمنع الكنَة من الأكل لأن في ذلك مخالفة صارخة لمنطق السلوك، لكنها اشترطت شرطين تعجيزيين هما: أن لا تقسم الرغيف، وأن لا تأكل من الخبز المُقَسَّم أو الفتات أو كسرات الخبز الموجودة، وعدا ذلك يمكنها أن تأكل كما تريد حتى تنفجر معدتها أو ينفجر بطنها. وكان على الكنّة أن تستجيب للأمر، فالحماة في المجتمع الذي أنتج المثل والقصة أو يتداولها، هي صاحبة سلطة على الكناين وسائر الإناث في العائلة. وهنا تبرز أعمق دلالات المثل في موقف الكنة، فالاستجابة الحرفية لجوهر أمر الحماة سيحرم الكنّة من الطعام. إذن، هناك مشكلة تحتاج إلى حلّ منطقي ومعقول دون أن تخالف الأمر، إذ أن مخالفته سيثير لها المتاعب مع الحماة وربما مع الزوج وسائر أعضاء العائلة. وسجلت الكنّة نجاحاً في مواجهة المشكلة بأن نفّذت الأمر في شكله، وخالفته في جوهره، فقد قوّرت الرغيف، وأكلته كله عدا الجزء الصغير من محيط الرغيف الذي بقي على شكل دائرة مُفرغة رمزاً لبقاء الرغيف على شكله، وبذلك نفّّذت الكنة الأمر من الناحية الشكلية، وحلّت المشكلة من الناحية العملية.

إن هذا المثل، يعبر عن التفكير العقلاني لمواجهة المشكلة ويدعو إليه. وتبدو هذه المشكلة أن لا حلٌ لها باشتراطات الحماة، ولكن الكنّة الذكية لم تهرب من المشكلة بل واجهتها، وتغلبت عليها فنجحت في الصراع مع الحماة الظالمة دون أن تبدو خارجة على شروط العلاقة المفترضة بينهما، وهي هنا علاقة صراع شديد وصل إلى درجة محاولة حرمان الكنّة من الخبز؛ وهو أهم مقومات الحياة. ولكن الكنّة التي استعملت ذكاءها انتصرت بعقلها في معركة الدفاع عن الذات.

وتساند هذا المثل مجموعة أخرى من الأمثال الشعبية التي تدعو إلى عقلانية التفكير، ومنها: (العقل زينة واللّي عِدْمتُه حزينة) و (قلّة العقل بْتِتْعِب الرِّجلين) و (منِ احترصْ ما انْقرص). ويستنكر المثل الشعبي الحماقة التي يردها أصحابها إلى القضاء والقدر بصورة مشوهة إذ يقول مستنكراً الحماقة: (دير ظهرك للدبابير وقول على الله التدابير!). ولا يجوز الاستهانة بالعقل في كل الأمور الصغيرة والكبيرة حتى أن الماء في البئر يحتاج هذه العقلانية في التعامل معه: (المَيَّة في البير بِدْها تدبير). كما تساند الفكرة ذاتها أشكال أخرى من التراث الشعبي، ففي إحدى القصص الشعبية، يقوم الأمير بامتحان ضيوفه، وذلك بأن يضع المنسف (أو مائدة الطعام) في عمق الخيمة (أوالقصر) بحيث لا يصله الضيوف إلا بعد أن يدوسوا على بساط ممدود لمسافة بعيدة عن المائدة. ويطلب منهم الأمير أن يتقدموا لتناول الطعام دون أن يدوسوا على البساط. وتتحدى هذه المشكلة العقل، فكيف سيصلون إلى المائدة دون أن يدوسوا على البساط؟ ولكن سرعان ما وجد بطل القصة الحلّ، فطوى البساط وتقدم إلى المائدة وطلب من الآخرين أن يتبعوه، وهكذا تغلب على المشكلة مع المحافظة على شروط المضيف التي تبدو وكأنها شروط تعجيزية.

ومن الملاحظ أن التراث الشعبي يقوم عبر التساند الوظيفي بين مختلف أشكاله، ليس بطرح الحلول العقلانية للمشاكل المختلفة فقط، وإنما، أيضاً يستبق ذلك بتدريب الطفل على ما يحتاج لتكتمل شخصيته. ومن ذلك على سبيل المثال، التدريب على النطق السليم وبخاصة الأصوات (الحروف) المتنافرة في الكلمة كالطلب من أحدهم أن يعيد عبارة "خيط حرير عَ حيط خليل" سبع مرات أو أكثر أو أقل، أو عبارة أطول مثل: "غابت الشمس واستَغَطْلَمَطْلَسَت، على عباد الله المُسْتَغَطْلَمَطْلَسين، فاسْتَغَطْلَمَطْلَسَ الناس من اسْتَغَطْلَمَطْلَسِها".

ويقوم المثل -كغيره من أشكال التراث الشعبي كالأغنية والأحجية والنكتة والحكاية والنادرة والطرفة واللغز- بوظائف متعددة في المجتمع الذي أنشأه أو يتداوله. وقد تتعدد وظائف المثل الواحد فلا تقتصر على وظيفة محددة فقط، فالمثل المذكور "صحيح لا توكلي…." موضوع هذه المقالة، من هذه الأمثال متعددة الوظائف، فبالإضافة إلى وظيفته التي تحدثنا عنها في الحضّ على التفكير العقلاني والتدريب عليه، فإنه يقوم بوظائف أخرى، منها وجوب تنفيذ الكنّة لأوامر الحماة المسؤولة عن إدارة المنزل للعائلة الممتدة الفلسطينية، وهي العائلة التي تضم الأب والأم والأبناء وزوجاتهم وأطفالهم والبنات غير المتزوجات. ولا تستقيم الأمور في مثل هذه العائلة -كأية مؤسسة اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية- دون توزيع الأدوار في العائلة تبعاً للجنس (الرجال والنساء)، والعمر (الشيوخ والشباب والأطفال) بصورة ملائمة ومتوازنة. لكن الحماة قد تستعمل دورها فتستبد وتطغى إلى درجة غير معقولة، وهنا يرفض المجتمع هذا الطغيان فيذكّرها بذلك، ويمنح المظلوم (الكنّة) شرعية الدفاع عن النفس ضدّ جبروت الحماة وطغيانها.

ومن طبيعة استعمال المثل الشعبي، أنه يتجاوز المعنى الحرفي إلى المعنى المجازي، إذ لا يستعمل المثل لتوصيف تجربة معينة بين الحماة والكنة فقط، وإنما يدخل عالم السياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والوظيفية وسواها، وذلك حينما تتوفر المناسبة التي تلخص الشروط التعجيزية المطلوبة من الشخص أو المجموعة أو الشعب، وهو حال المناسبة التي تذمرت فيها الموظفة من المسؤول حينما طلب منها عملاً في غاية الإتقان تنهيه خلال ساعات، بينما يحتاج في واقع الحال إلى عدة أيام لشخصين اثنين. ويعبر المثل كذلك كما سمعته في إحدى المناسبات عن السياسة الإسرائيلية وعن حالنا مع الاحتلال الذي يلحّ في الحديث عن السلام والدعوة إليه، ولكن بشروطه التعجيزية، إذ يريد الأمن لمواطنيه، والأرض لمستوطنيه، دون مقاومة أو حتى تذمر أو تصريح يخالف هذه الشروط، وهو وجه الشبه في التجربتين من حيث الشروط التعجيزية. ولكن الكنة في المثل الشعبي تغلبت على هذه الشروط، ويبقى الجزء الآخر من وجه الشبه الذي يدفعنا إلى التساؤل: ما الذي سيفعله الفلسطينيون إزاء القهر الإسرائيلي؟ هل سيتحدون الظلم ويقسمون الرغيف الصحيح أم يأكلون المقسوم؟ وهل يستطيعون تحدي القوة الإسرائيلية والتوافق العربي والعالمي الرسمي مع أميركا وأوروبا؟ أم يموتون جوعاً؟ أم هل يستطيعون تلبية هذه الشروط التعجيزية دون أن يموتوا جوعاً بأن يلعبوا دور الكنّة في مواجهة ظلم الحماة "فيُقوّروا الرغيف" ويسقطوا شروط التعجيز، ومتى سيكون ذلك، وكيف؟! وأعتقد أن الإجابة على هذه التساؤلات تكمن في التراث نفسه من حيث أصالته وقدرته أو هشاشته وتخلفه. وتحتاج الإجابات دراسات وأبحاث جدية ومستمرة ليس في الجانب السياسي فقط، ولا في التراث الفلسطيني فقط، وإنما في التراث العربي والإسلامي أيضاً لأن في هذا التراث تكمن عوامل القوة والضعف معاً لاستنهاض القوة والتخلص من الضعف، وهي أول عمليات النهوض الحقيقي للأمة كلها.
ـــــــــــــــــــ
* نشرت المقالة في العدد 43 ربيع 2022 في مجلة "التراث والمجتمع".




يسلمووووووووووووووو
10/10
واصلي هههههههههههه



بارك الله فيك على الطرح المميز
تحياتي



بارك الله فيك

وجزاك الله الجنة

اختك سوسو




تسلمي



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.